السيد الطباطبائي

254

تفسير الميزان

ولعل هذا النوع من الكتاب ينقسم إلى كتاب واحد عام حفيظ لجميع الحوادث والموجودات ، وكتاب خاص بكل موجود موجود يحفظ به حاله في الوجود كما يشعر به الآيتان الأخيرتان وسائر الآيات الكريمة التي تشاكلهما . ومنها : الكتب التي يتطرق إليها التغيير ويداخلها المحو والاثبات كما يدل عليه قوله تعالى : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) ( الرعد : 39 ) واستيفاء البحث عن كل قسم من أقسام هذه الكتب موكول إلى المحل الذي يناسبه من الكتاب والله المستعان . ( كلام في معنى الحكم في القرآن ) الأصل في مادة الحكم بحسب ما يتحصل من موارد استعمالاتها هو المنع ، وبذلك سمى الحكم المولوي حكما لما أن الامر يمنع به المأمور عن الاطلاق في الإرادة والعمل ويلجمه أن يقع على كل ما تهواه نفسه ، وكذا الحكم بمعنى القضاء يمنع مورد النزاع من أن يتزلزل بالمنازعة والمشاجرة أو يفسد بالتعدي والجور ، وكذا الحكم بمعنى التصديق يمنع القضية من تطرق الشك إليه ، والاحكام والاستحكام يشعران عن حال في الشئ يمنعه من دخول ما يفسده بين أجزائه أو استيلاء الامر الأجنبي في داخله ، والاحكام يقابل بوجه التفصيل الذي هو جعل الشئ فصلا فصلا يبطل بذلك التئام أجزائه وتوحدها قال تعالى : ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) ( هود : 1 ) وإلى ذلك يعود معنى المحكم الذي يقابل المتشابه . قال الراغب في المفردات : حكم أصله منع منعا لاصلاح ، ومنه سميت اللجام حكمة الدابة ( بفتحتين ) فقيل : حكمته ، وحكمت الدابة منعتها بالحكمة ، وأحكمتها جعلت لها حكمة ، وكذلك حكمت السفينة وأحكمتها قال الشاعر : ( أبنى حنيفة أحكموا سفهاءكم ) . انتهى . والحكم إذا نسب إلى الله سبحانه فإن كان في تكوين أفاد معنى القضاء الوجودي وهو الايجاد الذي يساوق الوجود الحقيقي والواقعية الخارجية بمراتبها قال تعالى : ( والله والله يحكم لا معقب لحكمه ) ( الرعد : 41 ) .